فخر الدين الرازي
211
تفسير الرازي
فيقولون قلنا لهم : * ( ما سلككم في سقر ) * وفيه وجه آخر ، وهو أن يكون المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم ؟ فلما رأوهم قالوا لهم : * ( ما سلككم في سقر ) * ( المدثر : 42 ) والإضمارات كثيرة في القرآن . * ( مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الُخَآئِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ) * . المقصود من السؤال زيادة التوبيخ والتخجيل ، والمعنى ما حبسكم في هذه الدركة من النار ؟ فأجابوا بأن هذا العذاب لأمور أربعة : أولها : * ( قالوا لم نك من المصلين ) * وثانيها : لم نك نطعم المسكين ، وهذان يجب أن يكونا محمولين على الصلاة الواجبة ، والزكاة الواجبة لأن ما ليس بواجب ، لا يجوز أن يعذبوا على تركه وثالثها : * ( وكنا نخوض مع الخائضين ) * والمراد منه الأباطيل ورابعها : * ( وكنا نكذب بيوم الدين ) * أي بيوم القيامة حتى أتانا اليقين ، أي الموت قال تعالى : * ( حتى يأتيك اليقين ) * ( الحجر : 99 ) والمعنى أنا بقينا على إنكار القيامة إلى وقت الموت ، وظاهر اللفظ يدل على أن كل أحد من أولئك الأقوام كان موصوفاً بهذه الخصال الأربعة ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفار يعذبون بترك فروع الشرائع ، والاستقصاء فيه قد ذكرناه في المحصول من أصول الفقه ، فإن قيل : لم أخر التكذيب ، وهو أفحش تلك الخصال الأربعة ، قلنا أريد أنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذبين بيوم الدين ، والغرض تعظيم هذا الذنب ، كقوله : * ( ثم كان من الذين آمنوا ) * ( البلد : 17 ) . ثم قال تعالى : * ( فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) * . واحتج أصحابنا على ثبوت الشفاعة للفساق بمفهوم هذه الآية ، وقالوا : إن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدل على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين . ثم قال تعالى : * ( فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ) * . أي عن الذكر وهو العظة يريد القرآن أو غيره من المواعظ ، ومعرضين نصب على الحال كقولهم مالك قائماً .